29 ديسمبر 2015
نقاء السر والعلانية

نقاء السر والعلانية 

علاج الأمور بتغطية العيوب وتجميل المظاهر لا جدوى منه ولا خير فيه، وكل ما يُحرزه هذا العلاج الخادع من رواج بين الناس أو تقدير خاطئ لن يغيّر شيئاً من حقيقته الكريهة. 

 من قديم غالى العرب بجمال الحقيقة،ولم يسمحوا للعنوان _ وإن لم يكن كفئها _ أن يخدش من قدرها. فقال قائلهم :

إذَا الَمرءُ لَمْ يَدْنَسْ مِنَ اللُؤمِ عِرضَه   فكُلُ رِدَاءٍ يَرْتَديهِ جَميِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلُ!!

 

على حين حقروا جمال الملامح إذا كانت النفس خبيئة،والخلق وضيعاً، فقال الشاعر :-

عَلَى وجهِ مىٍ مَسْحَةٌ مَنْ مَلاَحَةٍ   وَتَحْتَ الثِيَابِ الخزىُ لَوْ كَانَ بَادياً

ألَمْ تَر أنَّ المَاء يكدُرُ طَعْمُهُ     وإن كان لَوْنُ المَاءِ أبيَضَ صَافياً 

من أجل ذلك ،لم يعتد الإسلام بتكمل الإنسان وتجمله إلا إذا قام هذا التسامى على نفس طيبة،وصحيفة نقية،وفؤاد زكي،وضمير أضئ من داخله فله سنا يهدى صاحبه إلى الصراط المستقيم.

الجمال عمل حقيقي في جوهر النفس،يصقل معدنها،ويذهب كدرها،ويرفع خصائصها، ويعصمها من مزالق الشر،وينفذها من خواطر السوء،ثم يبعثها في الحياة،كما تنبعث النسمة اللطيفة في وقدة الصيف،أو الشعاع الدافئ في سبرة الشتاء...!

وعندما تبلغ النفس هذا المستوى ترتد وساوس الشيطان عنها ،لأنها لا تجد مستقراً فيها ، بل لا تجد مدخلاً إليها. 

إن المرء يتجاوب مع معاني الخير والشر الطارئة عليه من الخارج،كما يتجاوب جهاز الاستقبال مع الموجات الطوال،أو القصار التي ترسل إليه.

فبحسب وضعه وانضباط آلاته على جهة معينة،تكون طبيعة الإذاعة التي تصدر عنه ..!! 

كذلك الإنسان إذا طابت نفسه أو خبثت!!

إنه في الحالة الأولى يحيا في جو من الخير تنحسر دونه موجات الإثم والعصيان،وذلك ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله عن الشيطان :" إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ" سورة النحل

أما في الحالة الأخرى، فإن المرء يستجيب لدوافع الجريمة التي تلح عليه وتسوقه إلى مصير كئيب،ذلك قول الله عز وجل:-  "أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا"

وقد طلب الله من عباده أن ينقوا سرائرهم من كل غش، وأن يحفظوا بواطنهم من كل كدر، وأن يتحصنوا من كيد الشيطان بمضاعفة اليقظة وإخلاص العمل، وصدق التوجه إليه جل شأنه. 

المرجع :- مُحمد الغزالي ، جدد حياتك.

مشاركة من هبة الله جوهر

كلية الإتصال الجماهيري